عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
117
اللباب في علوم الكتاب
معنييه جميعا ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون المنفي بقوله : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [ التحريم : 8 ] غير المثبت في قوله : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أنّ هذا الجواب إنما يتمشى إذا كان لفظ الإخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما إذا كان لفظا متواطئا ، مفيدا لمعنى واحد وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحديّ نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب ؛ لأن قوله : لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لنفي الجنس ، وقوله : « فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ » لإثبات النوع ، وحينئذ تحصل المنافاة بينهما » . قال القرطبيّ : « وقال أهل المعاني : الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحياء ، يقال : خزي يخزى خزاية إذا استحيا ، فهو خزيان . قال ذو الرمة : [ البسيط ] 1714 - خزاية أدركته عند جرأته * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب « 1 » فخزي المؤمنين - يومئذ - استحياؤهم في دخول النّار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها ، والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت ، والمؤمنون يموتون ، فافترقوا ، كذا ثبت في صحيح السنة ، من حديث أبي سعيد الخدريّ ، أخرجه مسلم » . فصل [ في احتجاج المرجئة بهذه الآية بأن صاحب الكبيرة لا يخزى ] فصل احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع بأنّ صاحب الكبيرة لا يخزى ، وكل من دخل النّار فإنه يخزى ، فيلزم القطع بأنّ صاحب الكبيرة لا يدخل النار ، وإنما قلنا : صاحب الكبيرة لا يخزى ؛ لأن صاحب الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزى ، وإنما قلنا : إنه مؤمن ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [ الحجرات : 9 ] سمي الباغي - حال كونه باغيا - مؤمنا ، والبغي من الكبائر بالإجماع ، وأيضا قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] سمى القاتل - بالعمد العدوان - مؤمنا ، فثبت أنّ صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يخزى ؛ لقوله تعالى : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [ التحريم : 8 ] ولقوله : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 194 ] ، ثم قال : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ وهذه الاستجابة تدل على أنه - تعالى - لا يخزي المؤمنين ، فثبت أنّ صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من دخل النار فإنه يخزى ؛ لقوله تعالى : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ فثبت - بهاتين المقدمتين - أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . والجواب : ما تقدم من أن قوله : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ إنما يدل على نفي الإخزاء حال كونهم مع النّبيّ ، وذلك لا ينافي حصول الإخزاء في وقت آخر .
--> ( 1 ) ينظر البيت في ديوانه 1 / 103 واللسان ( خزا ) وجمهرة أشعار العرب ص 771 .